أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
572
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
رضي اللّه عنه . وأن تكون مكسورة فيكون الفعل مبنيا للفاعل ، وتكون « والدة » حينئذ فاعلا به ، ويؤيده قراءة ابن عباس . وفي المفعول على هذا الاحتمال ثلاثة أوجه : أحدها - وهو الظاهر - أنه محذوف تقديره : « لا تضارر والدة زوجها بسبب ولدها بما لا يقدر عليه من رزق وكسوة ونحو ذلك ، ولا يضارر مولود له زوجته بسبب ولده بما وجب لها من رزق وكسوة ، فالباء للسببية . والثاني : - قاله الزمخشري - أن يكون « تضارّ » بمعنى تضرّ ، وأن تكون الباء من صلته أي : لا تضرّ والدة بولدها فلا تسيء غذاءه وتعهّده ولا يضرّ الوالد به بأن ينزعه منها بعدما ألفها » . انتهى . ويعني بقوله « الباء من صلته » أي : تكون متعلقة به ومعدّية له إلى المفعول ، كهي في « ذهبت بزيد » ويكون ضارّ بمعنى أضرّ فاعل بمعنى أفعل ، ومثله : ضاعفت الحساب وأضعفته ، وباعدته وأبعدته ، وقد تقدّم أن « فاعل » يأتي بمعنى أفعل فيما تقدّم ، فعلى هذا نفس المجرور بهذه الباء هو المفعول به في المعنى ، والباء على هذه للتعدية ، كما ذكرت في التنظير بذهبت بزيد ، فإنه بمعنى أذهبته . والثالث : أن الباء مزيدة ، وأنّ « ضارّ » بمعنى ضرّ ، فيكون « فاعل » بمعنى « فعل » المجرد ، والتقدير : لا تضرّ والدة ولدها بسوء غذائه وعدم تعهّده ، ولا يضرّ والد ولده بانتزاعه من أمه بعدما ألفها ونحو ذلك . وقد جاء « فاعل » بمعنى فعل المجرد نحو : واعدته ووعدته . وجاوزته وجزته ، إلا أنّ الكثير في فاعل الدلالة على المشاركة بين مرفوعه ومنصوبه ، ولذلك كان مرفوعه منصوبا في التقدير ، ومنصوبه مرفوعا في التقدير ، فمن ثمّ كان التوجيه الأول أرجح من توجيه الزمخشري وما بعده ، وتوجيه الزمخشري أوجه ممّا بعده . و « له » في محلّ رفع لقيامه مقام الفاعل . وقوله : « لا تضارّ والدة » فيه دلالة على ما يقوله النحويون ، وهو أنه إذا اجتمع مذكر ومؤنث ، معطوفا أحدهما على الآخر كان حكم الفعل السابق عليهما للسابق منهما ، تقول : قام زيد وهند ، فلا تلحق علامة تأنيث ، وقامت هند وزيد ، فتلحق العلامة ، والآية الكريمة من هذا القبيل ، ولا يستثنى من ذلك إلّا أن يكون المؤنث مجازيا ، فيحسن ألّا يراعى المؤنث وإن تقدّم كقوله تعالى وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ « 1 » . ولا يخفى ما في هذه الجمل من علم البيان ، فمنه : الفصل والوصل . أمّا الفصل وهو عدم العطف بين قوله : « لا تكلّف نفس » وبين قوله : « لا تضارّ » لأنّ قوله : « لا تضارّ » كالشرح للجملة قبلها ، لأنه إذا لم تكلّف النفس إلا طاقتها لم يقع ضرر ، لا للوالدة ولا للمولود له . وكذلك أيضا لم يعطف « لا تكلّف نفس » على ما قبلها ، لأنها مع ما بعدها تفسير لقوله « بالمعروف » . وأمّا الوصل وهو العطف بين قوله : « والوالدات يرضعن » وبين قوله : « وعلى المولود له رزقهن » فلأنّهما جملتان متغايرتان في كلّ منهما حكم ليس في الأخرى . ومنه إبراز الجملة الأولى مبتدأ وخبرا ، وجعل الخبر فعلا ، لأنّ الإرضاع إنما يتجدّد دائما . وأضيفت الوالدات للأولاد تنبيها على شفقتهنّ وحثّا لهنّ على الإرضاع . وجيء بالوالدات بلفظ العموم وإن كان جمع قلة ، لأنّ جمع القلة متى حلّي بأل عمّ ، وكذلك
--> ( 1 ) سورة القيامة ، آية ( 9 ) .